الأحد، 11 أكتوبر، 2009

إهداء..إلى فلان بن علاّن..مع محبتى و تقديرى


الصديق العزيز نائل الطوخى

طوال ربع قرن من الزمان و هى المدة التى قطعتها فى قراءة آلاف الكتب و المخطوطات و الكنوز التراثية و الإصدارات الحديثة و الحداثية ، لم يمر علىّ مثل هذا الموقِف فى عنفوانه و قوته مما أدى بى إلى أزمة نفسية حادة لم أقدر على التملص منها بسهولة،...قبل سفرى إلى القاهرة كنت أمر يومياً على أماكن بيع الكتب القديمة و المستعملة قبل أن أذهب إلى المكتبات الجديدة الملحق بها كوفى شوب،و فى مدينتى الجميلة الإسكندرية كنت أمر على أرصفة شارع النبى دانيال المقابل لحلوانى فينوس، و أقلب فى الكتب، أشم رائحتها و إقلب فى صفحاتها علّى أجد تذكاراً لعاشقٍ قديم، لازمتنى هذه الحالة عندما ذهبت إلى القاهرة و تشبعت بوسطها الثقافى الذى عرفنى على شخصيات لطيفة و ظريفة جدا، و كان هذا يقرب من حوالى خمس عشرة سنة.

عندما وصلت للقاهرة أصدرت كتابى الأول فى سلسلة"الكتاب الأول" فى المجلس الأعلى للثقافة و بعدها إنهالت علىّ عروض لطبع الكتب بعد أن نشرت العديد من قصصى فى الصحف والمجلات القومية و الغير قومية و العربية والغير عربية، و فى مرة من مرات لفّى و دورانى على أرصفة الكتب القديمة فى رمسيس عند دار القضاء العالى و سورالأزبكية الذى تحول إلى أكشاك قذرة فى مساحة ضيقة و  بائعى الكتب تحت كوبرى أبو الريش بالسيدة زينب، وجدت ما هالَنِى، أحدث إصداراتى والتى لم تتعد بعد الطبعتين والذى نشرته فى دار نشر مبتدئة و مغمورة" تواضعاً منى لا أكثر" أجده ملقىً بإهمال على الأرصفة يتمشى عليه الذباب يضع عليه فضلاته السوداء الدقيقة و ترتمى عليه ذرات التراب فى دعة و خمول، لم يكن هذا غريباً علىّ بالطبع، الغريب أن النسخ الموجودة هى بالتحديد نسخ أهديتها لأصدقاء أدباء كنت أكن لهم إحتراماً و تقديراً، رغم أنى سابقٌ عليهم فى مشوارى الأدبىّ، وإصداراتى تتخطى إصدارتهم فى العدد، و أصبت من الجوائز أكثر بكثير مما أصابوا، لعلكم تذكروا فوزى بجائزة ساويرس و جائزة البوكر العربية و فى البداية جائزة مركز رامتان و نادى القصة و المركز الأول فى دورة من دورات مجلة دبى الثقافية، وأيضاً لا أنسى فوزى المحقق فى مسابقة سعاد الصباح للرواية،و فى النهاية تكللت مسيرتى الإبداعية بفوزى بجائزة التفوق و التى تسلمتها من الرئيس محمد حسنى مبارك شخصيا"سدّد الله خطاه" ، لا أعلم ما الذى دفعهم لكى يهينونى إلى هذه الدرجة بالقاء كتبى بإهدءاتها القيمة على أرصفة قذرة غير أن ورثتهم قد قاموا بهذا الفعل الشنيع، لكنى أعلم أن محمد صلاح العزب وحمدى أبو جليل وحمدى الجزار و أحمد أبو خنيجر و إيهاب عبد الحميد والجميلة منى برنس و الجميلة أيضاً ميسون صقر و كذلك طارق إمام وغيرهم ، أعتقد أنهم مازالوا على قيد الحياة، و لكن الذى حزّ فى نفسى أن أجد إسما لم أعتقد أنه سيضم هذه القائمة،.....إنه صديقى العزيز نائل الطوخى.


ترجع بداية معرفتى بنائل الطوخى على المقهى الشهير"زهرة البستان" الذى تعرفت فيه أيضا على مكاوى سعيد القابع هناك أبداً، كان نائل يجلس على طاولة منفردا بكيسٍ كامل من شوكولاته كادبورى التى يعشقها و يلوكها فى فمه، و كنت قرأت له قبل ذلك" ليلى أنطون وبابل مفتاح العالم" أعجبنى أسلوبه و تحاورنا كثيراً عن ميلان كونديرا و نظريته فى " الفكاهه أوالهزل" و بأن الرواية ما هى إلا لعبة نحاول عن طريقها التصوير الغير مسبق للعالم بألمه و تشظيه و قبحه و عبثيته، و دور الإيروتيك فى هذا الموضوع، كما تناقشنا فى مصطلح " الكيتش" و الكيتشيزم وبأنه ليس سيئاً على الإطلاق بما أنه لا يشكل تصادماً مع الواقع الذى تقبل هذا المصطلح ببراءة ليست مفتعلة كممثل أول لما تظهر به إستاطيقا العصر، و تذكرنا قول جوجول الملهم:"إذا نظرنا بانتباه وبصورة مطولة إلى قصة مضحكة، فإنها تصير بالتدريج حزينة" وخلال مناقشاتنا لم يهدأ نائل فى عصبيته المفرطة عندما يدندن بالنشيد الوطنى الإسرائيلى"هاتيكفاه" و الذى تندرج تحته هذه الكلمات الشاعرية المملوءة أملاً:
بالعبرية

כל עוד בלבב פנימה
נפש יהודי הומייה
ולפאתי מזרח קדימה
עין לציון צופייה -

עוד לא אבדה תקוותנו
התקווה בת שנות אלפיים
להיות עם חופשי בארצנו
ארץ ציון וירושלים.  

و يلفظ هكذا

كول عود باليفاف بنيما
نيفش ييهودي هوميا
أولفاتيه مزراح كاديما
عاين ليتسيون تسوفيا.

عود لو أفداه تكفاتينو
هاتكفاه بات شنوت ألبايم
لهيوت عام حوفشي بأرتسينو
إيرتس تسيون فيروشالايم.


أما ترجمته العربية

طالما في القلب تكمن،
نفس يهودية تتوق،
وللأمام نحو الشرق،
عين تنظر إلى صهيون.

أملنا لم يضع بعد،
أمل عمره ألفا سنة،
أن نكون أمّة حرّة في بلادنا،
بلاد صهيون وأورشليم.
 

أصبحت الآن أعرف مزاج نائل الحاد وعصبيته التى طالما أنكرها، و أصبحت عند التحية-تلافيا لغضبه- أقول :بوكيرتوف، فيرد علىّ بوكيرتوف حبيبى، تناقشنا مطولا فى المقولات الكاذبة للدكتور عبد الوهاب المسيرى فى عبقرية اليهود وهوأننا طالما تيقننا من أنهم عباقرة فذلك يضعهم ضمن القائمة الإختزالية للتاريخ كجماعة وطيفية متميزة عن الجنس البشرى،و يعترض نائل بأن الجنس السامى له الأفضلية فى العقل والمنطق و هم بالفعل عباقرة، يكفى أن تبحث عن الأسماء التى تركت تأثيرا فى تاريخ البشرية ولنأخذ مثلا بالعصر الحديث: كارل ماركس، فرويد، نورمان ميللر،نيتشة، كافكا،شاجال، سارتر، دزرائيلى، سوزان سونتاج.....إنهم يشكلون حالة لن تقدر أبداً على تجاهلها، يا نائل ما تقوله يعد عنصرية مفرطة ...ثم ماهو مصطلح الحالة؟...إنه مصطلح وهمى لا يقوم على أية قياسات عقلية أومنطقية....و لم أجد إجابة مقنعة لدى نائل الذى قام ممتعضاً.
  
 
 



بعد إصابتى بهذه الأزمة النفسية الحادة لم أخرج من منزلى القاطن بمدينة نصر قرب سيتى سنتر طيلة ثلاثين يوماً، لمجرد أنى وجدت نسخة من كتابى على رصيف شارع رمسيس باهداء رقيق إلى عزيزى نائل أقول فيه: إلى نائل الطوخى ...أتمنى أن تجد فى مؤلفى حالة تسرك و تبعث على نفسك الطمأنينة و تجد بها مقولات كونديرا حية كفراشةٍ تحوم على تخوم الزعتر...بوكيرتوف...محبك عبدو الماسك.
و أعلم أن نائل لا يعلم أن روايته"الألفين وسته" تستكين فى وداعة فى صدارة مكتبتى الكبيرة تقديرا وحباً له رغم أنى إعترضت على إهماله فى إهدائى إياها بعد أن تخطت طبعاتها السادسة والعشرين فى زمن قياسى لا يتعدى ستٌ وعشرين أسبوعاً...مما حدى بميريت إلى إنجاز عقود ترجمة إلى معظم اللغات الحية و الغير حية على الساحل الإفريقى الجنوبى والدول المغمورة بأمريكا اللاتينية، الأمر الذى جعل من ميريت دار نشر كبيرة تخطت منافستها دار الشروق فى عدد الطبعات و الإصدارت.

كما أنه لم يبد أمامى إستهجاناً عندما دعته جامعة تل أبيب لنيل دكتوراه فخرية عن مجمل أعماله وخاصة عن ترجمات الأدب العبرى إلى العربية فى مدونته الجميلة...زاعماً أنه قد زار إسرائيل قبل ذلك أدباء عظام و نالوا جوائزها كالدكتور حسين فوزى مؤلف كتاب"سندباد مصرى" و المعلق الموسيقى الأول فى إذاعة البرنامج الثقافى، كما زارها قبل ذلك المسرحى القدير على سالم....

لم ينتهى المطاف بنائل عند هذا الحد، كلنا يعرف علاقته التى لم تعد سرية بالشاعرة الإسرائلية حدفا روتام- لاحظوا مدى توافق الإيقاع الصوتى بين إسمها وإسم ليلى أنطون-  وقامت بينهم عدة لقاءات هنا فى مصر فى فندق ماريوت و فى إسرائيل أيضاً بعد أن توطدت العلاقات ....و لم ينتهى المطاف عند هذا الحد، فقد نال نائل جائزة القدس التى رفضها إدباء عرب قبل ذلك كسحر خليفة الفلسطينية، و قال نائل فى أحد حواراته إلى صحيفة يديعوت أحرونوت و الجيروساليم بوست أن: هذه الخطوة تعد خطوة دافعة لعملية السلام و تأكيداً على إتحاد العنصر السامى فى مواجهة أية هجمات إرهابية تأتى من العنصر الآرى الحاقد...يكفى أن يكون هذا رداً ماحقا لما حدث فى الهولوكوست الألمانية...و أنه يعتز بذلك و صرح بأنه يقوم الآن بالتجهيز لجائزة سيطلق عليها إسمه، تمنح للأدب العبرى أوللدراسات المتصلة به  أو للأدب المكتوب باليديشية وسيتعدى قدرها المليون شيكل

لا أقدر على نسيان الأيادى الفُضلى التى أغدقنيها نائل بدعوتى فى مرة من المرات إلى زيارة إسرائيل، بل و ترجمة عمل من أعمالى إلى العبرية و هذا فضل لا أنكره، عرفنى بصديقته حدفا روتام و قضينا معا وقتا لذيذا نتناول الفودكا الروسى و ندخن السيجار الكوبى فى المبنى الرائع برج عزرائيلى بوسط مدينة تل أبيب وكان لهذه الزيارة وقع كبير على المجتمع الثقافى الإسرائيلى و كان أيضاً فى إستقبالنا..الأديب الكبير عاموس عوز و أ.ب.يهوشواع....و غطى الحدث صحيفة ها آرتس.

فى زيارة لاحقة بمفردى إلى تل أبيب سأجد روايتى تتصدر أرصفة الكتب المستعملة بينما آخر روايات نائل"الألفين وسته" تتصدر قائمة المبيعات.